المترو والخطوط والأنفاق وحيوات أرضية بإمتياز.
كنت أعرف"السان جرمان دوبريه" جيدا دون سابق معرفة،وهنا يسأل معارفي الباريسيون بإستغراب"وهل سبق أن زرت السان جرمان؟
أجيب بثقة:"نعم"،ثم أضيف"بين دفتي كتاب"،يحمل الجواب بعض السريالية إلا أنهم يضحكون فأضحك معهم.
أخرج من محطة المترو وأشعل لفافتي وأتمشى كأي سائح يستمتع بهتك عرض الأمكنة،ألتهم المكان وأتعقب اللوحات الإرشادية والإشارات بحثا عما تبقى من "شيفرة دافينشي"في قلب هذه المدينة الرائعة.
تشيرإحدى اللوحات إلى كنيسة"سان سلبيس"،إحدى مسارح رائعة دان براون البوليسية،تبدو الكنيسة بعيدة إلا أن أجراسها تصلني معلنة إنتصاف النهار،عندئذ لا يبقى أمامي سوى حث الخطى نحو الأمكنة الأكثر إغراء في مدينة كل الأزمنة.
أعرج في طريقي على مقهى"لدماغو" حيث إعتاد سارتر وسيمون دبفوار الجلوس في أزمنة ما،أتسمر قليلا تاركا لمخيلتي متعة إستدعاء الثنائي الثوري،ربما جلسا هناك وربما هنالك في الهواء الطلق،هوهو سارتر بنظاراته الطبية السميكة وهي بملامحها التي أفقدها الأدب بعض أنثويتها.
يبدو أنني أمعنت في التخيل،وهاهم عمال المقهى يتهامسون ويطاردونني بعيونهم أن:"إبتعد ياهذا".
أتابع طريقي سالكا شارع"تورنوه سين" الذي سيقودني إلى متحف اللوفرعبر جسرالفنون،حيث تعود العشاق الباريسيون ترك أقفال معلقة على الجسر ورمي مفاتيحا في السين بعد إحكام إقفالها في طقوس تعبر عن أشياء منها الحب ومنها الجنون.
يقذفني جسر الفنون نحو الضفة الأخرى حيث ممشى فرانسوا ميتران ومتحف اللوفر شمالا.
أستظل للحظات تحت النسخة المصغرة لقوس النصر أو قوس نصر"كاروزل"،أدخن وألتهم المكان بعين نهمة،ثم ما ألبث أن أدخل الزحام أمام الهرم الزجاجي عند مدخل المتحف،حيث تتجسد في الداخل"قصة الحضارة"والتي طالما إعتبرت نفسي ممثلا لجانبها الآخر.الجنوب.
أجتازأخيرا بوابات الهرم الزجاجي،إذ تقودني السلالم إلى قاعدة الهرم حيث الأرضية التي تشكل مركز المتحف.
أدور على نفسي متفحصا خريطة اللوفر في يدي،ثم ما ألبث أن أجتاز سلالم"مولييه" نحو الطابق الأرضي وتحديدا نحو القاعة رقم 77من الجناح المخصص للمنحوتات الإيطالية.
أقترب من القاعة بخطى واثقة ومستعجلة في آن،تشير كل الملصقات الإرشادية إلى لوحة"الجوكندا" في نهاية الرواق المقابل،إلا أني أواصل طريقي غيرعابيء بأمواج السياح المتجهة نحو سيدة دافنشي بفرحة وذهول عارمين.
أقترب من أبواب القاعة رقم77المشرعة،تبدو شبه خالية وباردة،فأدخل وزفرة إرتياح تشيعني.
إستحوذت على القاعة لوحات جدارية عملاقة وبورتريهات من الحجم العادي لفنانين مغمورين،وحفنة سياح تجوب المكان وفق ما تمليه الميول التصويرية وأضواء الكاميرات.
أدنو من اللوحة التي طالما شكلت إحدى إهتماماتي الباريسية،لوحة "الرادو" الشهيرة.
أراد تيودور جيريكو أن يخلد لأشهر الفجائع البحرية الفرنسية وذلك عندما إرتطمت فرقاطة"الميدوز"القادمة من روشفور والمتجهة إلى سان لويس بالسنغال بشواطيء حوض "آركين" على بعد مائة كيلومتر عن رأس "تيميريس" في الشمال الغربي للسواحل الموريتانية.
تم إخلاء الفرقاطة وإمتلأت قوارب النجاة،لكن ذلك لم يكف،فتم بناءطوف تزاحم عليه مئتان من الجنود وأفراد الطاقم،دامت محنة الناجين عدة أيام،أكل فيها بعضهم البعض ورمى بعضهم بعضا في عرض المحيط في مأساة جسدت قساوة وفظاعات ولا إنسانية الإنسان.
تابع جيريكوهذه القصة التراجيدية،شغل مفكرة أيامه بجمع المعلومات عن الحادثة وتابع عن كثب الوضعيات الإنسانية لبعض الناجين وبمسحة رومانسية ميزت أعماله أخرج للعالم لوحة"الرادو"التي شكلت أيقونة المد الرومانسي مطلع القرن التاسع عشر.
لطالما شكلت مأسأة الميدوز بالنسبة لي مثالا لقصص الهجرة التي لا تتكلل بالنجاح،بفجائعها ونهاياتها غير السعيدة إطلاقا.
وهنا يعلمنا التاريخ أن شعوب الضفة الأخرى للمتوسط سبقتنا نحن الجنوبيون بأحلام الهجرة وحث الخطى نحو المجهول.
على أن الهجرات الأوروبية كانت على شكل فتوحات ومشاريع قومية،فكان أن هاجرت أمم بعينها نحو الجنوب،حيث العاج والفستق والصحاري والغابات الإستوائية والثقافات المسالمة.
اليوم وبعد أن دار الزمن دورته وتحددت معالم العالم مابين مراكزوهوامش،بلاد أحلام وبلاد وجع،إستمرأ الجنوبيون عودة التاريخ،وإمتهنوا الهروب نحو الضفة الأخرى،ليتركوا خلفهم أمما فارغة إلا من الإيمان والأمل.
كانت عودة تاريخ الهجرات بفجائع مضاعفة ووجهة وحيدة،قصة إنسانية تستدعي بروزرسام آخر من طينة جيريكو،علٌه يستطيع تصوير الجنوب بالمسحة الحزينة عينها وهو يموت على مذبح المتوسط.
وعلى جيريكو المنتظر ألا يغفل جانبا مهما من قصص الموت هذه،ألا وهو ضعف الإنسان والهوة الشاسعة بين أحلامه وإمكاناته،وعليه أيضا أن يخلد لكائن آخر مهاجر،لكن بإمكانات أسطورية،إنه سمك البوري الأصفر الذي يقطع آلاف الأميال في الإتجاهين دون غذاء،لذا لايذكر هذا الكائن في مجالس الحالمين بالهروب إلا وشعروا بالغيرة والحسد نحوه.
يبدو ضحايا"الميدوز" في وضعية مأساوية،صرعى ينظرون إلى السماء أملا في عون قد يأتي،وآخرون إتخذهم البحر قرابين لقصص عبوروحياة وموت ستستمروبلاهوادة،أشرعة وسماء ملبدة وناجون حولتهم غريزة البقاء إلى وحوش ضارية،بإختصار إنها البشرية حين تفقد إتزانها.
يبد و أنني سرحت على طريقة الجنوبيين عندما يرمي بهم الحظ على الضفة الأخرى،ينظٌرون،يستجدون التاريخ ويتحدثون مطولا عن لاعدالة الشمال،وبعد مدة يستلمون جوازاتهم الأوروبية فيبصقون على الجنوب ويرمي بهم التيارعلى عجل نحوالضفة الأخرى للنسيان.
والحق أن الوقوف أمام"الرادو"يعني الكثير لأي سائح ينفق بسخاء ليتجول في باريس،أحرى إذا تلعق الأمر بمهاجر وصل إلى هنا كيفماإتفق،بعد أن كرس شبابه في رعاية حلمه وتشذيبه وحمايته من أقدام تمتهن دعس الورود.
يربت أحدهم على كتفي بلطف،علٌه يريد أخذ صورة لجدارية جيريكو العملاقة،لم لا؟
فبادرته قائلا:"عفوا،تفضلوا..."،لقد صُدمت إلا أنه فترعن إبتسامة أزلية إعتدتها أنا وكل الذين سبقوني إلى هذا البرزخ الأوروبي.
الأكيد أنني سرحت،بل وإمتطيت أحلامي الجامحة فدحرجتني بقوة على سهول وهمية،آه يا شمال تسافر الروح نحوك قسر قوانين الجسد،كأن أحلام العبور الجنوبية قدر لا فكاك منه،لعنة تطارد الأرواح المسكونة بالهروب.
أظل أجوب ردهة الإنتظارموليا ظهري حينا لعامل السفارة الذي تشاغل عني ربما لحقن أحدهم بجرعة أمل في الرحيل،ناظرا حينا للباب الخشبي الموصد الذي كتبت عليه بأحرف كبيرة لاتخطئها عين هارب من حكم المكوث"مصلحة التأشيرات بالسفارة الفرنسية".
عاد عامل السفارة وأخذ بيدي كصديق قديم ومضى بي إلى مكتبه الذي يشبه الخزنة في حجمه وحتى في دوره التجاري.
دخلنا"الخزنة"فأجلسني على كرسي غير مريح،وجلس هو على كرسيه الدوار والذي لا يدور إلا تبعا لرغبته هو في الدوران وتنميق جمله القصيرة والقاتلة،كنت أعرف الجواب مسبقا لأن العادة جرت على ألا يدخل هذه الغرفة إلا من تم رفض طلبهم للتأشيرة،خلاف ذلك فالخبر المأمول يزف في الردهة أو أي مكان آخرلعل أحد الحالمين المتسمرين في أروقة السفارة يقنع بجدوائية سمسارالأحلام هذا،فمع مرور الأيام أضاف هذا الرجل إلى سمسرةالأحلام تسويقها،إنه سفير غير معين.
قال بنبرة هادئة:"هذه ليست نهاية العالم..."،فإبتلعت اللحظة،إلا أنه واصل"..في المرة القادمة ستكون حظوظك أقوى،كما أنه صاريعرفك ولن..."،آخر مرة وسترون،كنت أبتلع خيبتي هذه المرة،بادرته قبل أن ينهي كلامه المكرور:"كم تستحقون؟
أجاب مطرقا :"ثلاثون ألفا"وناولني ملف طلب التأشيرة،ناولته المبلغ المستحق وأخذت أوراقي وتحاملت على نفسي وخرجت، فرافقني حتى الردهة وقفل عائدا.
كانت شمس المدينة ترسل أشعتها بسخاء مبالغ فيه،وكنت أبالغ في الحزن،في إحدى يدي أوراقي ووثائقي الرسمية،وفي الأخرى خرائط باريس ودليل متحف اللوفر.
لم أكلف نفسي عناء إلقاء نظرة على خربشات مسؤول التأشيرات على ملفي،فأسبابهم للإجهاز على أحلامنا كثيرة،أقلها عجز في اللغة والتواصل أو في ذات اليد،وفي جميع الأحوال تنافر بين الأحلام والإمكانات وهذا مالايقال إحتراما لقدسية هذه الأحلام.
لم أكلف نفسي أي شيء بقدرما إستنزفتها وطوعتها لتتجول عن ظهرغيب في شوارع باريس،ألأننا نعرف تفاصيل العوالم التي تسكننا نتجول في اللاهنا دون دليل؟ ربما، ومع ذلك يحدث أن نضيع خلف ذرى الأحلام الشاهقة ولانعود.
كان الإبحار نحو اللاهنا الموعود خيارا لا رجعة عنه لتلافي الإنحدار نحو قاع الهزيمة،فشمالا في مدن العبور الأزلية زوارق وسواعد تغالب عنجهية المحيط لترضي أمثالنا من المغامرين وشذاذ الآفاق،من الذين يعيدون كل يوم وكل لحظة رحلة الميدوز بنهايات مغايرة أو مشابهة،ليثبتوا قصدا أودون قصد أن عدالة التاريخ ممكنة،وأن قصص العبور بين الضفتين مستمرة...
سأجعل"إسبانية"محطة في درب المنافي وأعرف أنني قد لا أصل،وقد أصل فتمنعني الحواجزمن إجتياز الحدود،وقد أجتازها فتعتقلني السلطات وتعيدني في مؤخرة طائرة إلى بلدي كمخلوق قذر غير مرغوب فيه.
أمنيتي الوحيدة عندما أصل الأراضي الإسبانية بسلام ودون عقبات هي أن يعتبر القشتاليون بروح كلها تسامح أن موريسكيا قد عاد.
No comments:
Post a Comment