Tuesday, November 20, 2012

لم أعد "عبدا"

بابه ولد آدو

المطبخ.. سيكون آخر مكان أفتقده وأحن إليه بالرغم من أنه هو الغرفة الوحيدة التي قضيت معظم وقتي بين جدرانها منذ حكم علي أو حكمت علي نفسي أن أدخل في علاقة لا أفهمها مع هذا المنزل وأهله. والغريب أن هذه العلاقة التي تمتد لسنين طويلة , عرفت خلالها أهل المنزل فردا فردا ونسجت لي ذكريات مريرة وأخري حلوة مع غرفاته وباحاته, لم تؤثر علي القرار الذي أزمعت اتخاذه صبيحة ذلك اليوم. كان قرارا نهائيا!

المنزل هو _تقريبا_نفسه المنزل منذ عرفته, تعديلات بسيطة طرأت علي لونه الذي صبغ بعد وصولي بثلاث سنوات ؛ مزيج من اللونين الأصفر والأبيض ولون ثالث لا أعرفه! تمت إضافة حمام داخلي بالإضافة إلي ردهة ضيقة تؤدي إلي غرفة مقابلة للمطبخ كثيرا ما أدخلها؛ أنام فيها,, وفيها آكل وأشرب وأقرأ أوقات فراغي .. وما عدا هذه الإضافات البسيطة ظل المنزل كما كان ؛ بجوه الطبيعي الهادئ, بأهله المسالمين , وبواجباته الكثيرة والشاقة!

عرفت أهل المنزل قبل أن أعرفه هو, حتي قبل أن أعرف العاصمة نواكشوط! كثيرا ما قدموا لقريتنا التي تبعد 900 كلم من العاصمة , وكثيرا ما كان ذلك في فترة الخريف.. _عرفت بعد ذلك أنه يتزامن مع العطلة الصيفية _ لن أنسي يوما نادت علي أمي وحدثتني عن رغبة أهل "الأمين" أن أصحبهم إلي العاصمة, حيث أعمل معهم في مقابل مبلغ مالي لا بأس به, والحق أنه بدا لي مبلغا ضخما آنذاك! كنت قد جاوزت الخامسة عشر وكنت أعمل علي عربة تركها لنا الوالد بعد وفاته, كانت العربة وثلاث بقرات وقطيع يسير من الغنم هو كلما خلفه الوالد لي أنا وتوأمي "سيد" والأخت التي تكبرنا: "عيشة" كنا بمعايير أهل القرية متوسطي الحال قبل أن نضطر لبيع القطيع ويقضي الجفاف علي البقرات الثلاث..

تحمست كثيرا للفكرة خصوصا وأن الوالدة حدثتني أن أهل "الأمين" سيعتنون بي وسأستفيد من التعليم النظامي , والدتي تدري جيدا كم أود دخول المدرسة! وربما لهذا السبب فقط تحدثني عن المدرسة حتي أتحمس للذهاب! علي أني كنت مدفوعا أكثر بالرغبة في اكتشاف "نواكشوط" , المدينة التي كثيرا ما حدثني أولاد أهل "الأمين" عن مغامراتهم فيها؛ كنت أصغي لهذه المغامرات بشغف كبير غير مصدق! أحيانا من الدهشة وأحيانا لاستحالة ما أسمع! تصر والدتي أن أولاد أهل "الأمين" إخوة لي وأن أهل "الأمين" بمثابة أهلي! فهمت فيما بعد أنها كانت تشير إلي العلاقة التاريخية التي كانت تربط عائلتينا؛ وهو أمر لم أكن أود الخوض فيه كثيرا!

والد أهل "الأمين" يعمل موظفا في مؤسسة كبيرة , شخص مهم كما يبدو.. لا يفتر يستقبل ضيوفا في منزله, وهو ما انعكس سلبا علي؛ كنت أستيقظ قبل طلوع الشمس وأظل أزاول مختلف الأعمال والواجبات المنزلية حتي الحادية عشر ليلا وأحيانا أعمل حتي وقت متأخر! أصعب جزء في العمل المنزلي هو أنك لا تعمل لشخص بعينه, إنك تعمل لشبكة من الأفراد متعددي الطلبات والمهام .. أصغر فرد في هذه الشبكة يمكنه أن يوقظك في أي وقت شاء ليطلب منك أن تساعده في خلع حذائه! بالرغم من ذلك, لم يتصرف معي أهل "الأمين" بعنف. عدا عن الواجبات المنزلية الشاقة كان أهل "الأمين" يتصرفون معي بلطف وأحيانا كثيرة بحنان وعطف.

اكتشفت أن ما وعدتني أمي به لم يكن صحيحا؛ لم أشعر أنني فرد من عائلة أهل "الأمين" ولم يوفر لي التعليم المدرسي الذي كنت أحلم به. كنت أشاهد أطفال أهل "الأمين" يغدون إلي المدرسة ويروحون, كانوا يحدثوني عن مغامراتهم في المدرسة وكنت ,تماما كما في الماضي, أصغي لهذه المغامرات بشغف كبير غير مصدق! أحيانا من الدهشة وأحيانا لاستحالة ما أسمع! ولأني تعلمت القراءة وأنا في القرية فقد كانت المكتبة الضخمة التي تزداد كل يوم بالكتب التي يجلبها والد أهل "الأمين" ,بالرغم من أني لم أره يفتح كتابا واحدا من هذه الكتب, كانت هذه المكتبة فرصة لي لأثقف نفسي في أمور ومجالات لم أحلم بها من قبل.. قرأت في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب.. قرأت كثيرا عن العبودية وتاريخ العبيد, رغم ندرة الكتب المختصة في هذا المجال في مكتبة أهل "الأمين"

يوما سألت نفسي: هل أنا حر أم عبد؟ ووجدتني أكتب علي ورقة: "إنني بمقاييس الناظرين إلي العبودية نظرة مادية شخص حر, فأي فرق بيني وبين من يعمل في شركة مايكروسوفت ويتقاضي راتبا مقابل ذلك؟ فأنا أيضا أقبض مرتبي الخاص وبإمكاني أن أترك مايكروسوفت الخاصة بي وقتما أشاء , تماما كما يمكن لذلك العامل أن يفعل. علي أن حريتي تظل مقيدة , فحقي في التعليم والعيش الكريم ضاع في ردهات هذا المنزل طوال هذه السنين." في غضون تلك السنين التي عملت مع أهل "الأمين" كنت أزور أهلي كل عطلة صيف, كانت فرصة لتجديد العهد بالأهل والأصدقاء, في السنوات الأخيرة بات الأهل والأصدقاء يخبروني أني تغيرت كثيرا

_ "لقد تغيرت كثيرا, أنت لست أحمد الذي أعرف!" تقول الوالدة

_ "أصبحت تتحدث في أمور لا نفهمها" يخبرني الأصدقاء

وكنت أجيب الجميع أنني لم أتغير. فأحمد هو نفسه قبل ثماني سنوات ! صبيحة ذلك اليوم اتخذت قرارا أغضب والدتي وأثار استغراب أصدقائي . لقد تخليت عن العمل مع أهل "الأمين" , تخليت عن المطبخ والغرفة المجاورة له .. عدت إلي العمل علي عربتي في القرية, أمر بمرابع صباي وألاقي لداتي وأترابي . هناك وجدت نفسي وشعرت أني حر.. كنت أقول للأصدقاء: "أنا الآن لم أعد عامل أهل "الأمين", لم أعد عبدا.. أنا أحمد .. أدري أنكم تحتاجون ثماني سنوات من القراءة حتي تفهموني!"


عرس العانس ميمونة

باب ولد آدو



ماما..! ماما ...!! مااامااا!! يكاد من شدة الركض يسبق صوته إلي الغرفة التي كنا نجلس فيها .
_"ميمونة ستتزوج!" يلقي علينا الكلمتين بصوته اللاهث وعلامات الذهول والدهشة تتراقص في عينيه؛ دهشة لم يستطع كبتها حتي وأنا أعاقبه بنظراتي متصنعا غضبا لم أعرف كيف أجعله يصمد للحظة , وأنا الذي اندهشت أكثر منه ومن جميع من كان في الغرفة ! 
 
_"اللهم ارزقنا عقلا..! انت ما عندك قلب يواجع..!" أعجبني تعليقها. هي أيضا تسيء الأدب معي أحيانا ! مع أنها تكبرني بسنة إلا أني أطالبها دائما بأن "توقرني" فالرجل أكبر ولو كان أصغر, وخصوصا إذا كان هذا الرجل قد جاوز السابعة عشر من عمره! أدع لهما فرصة استفسار "خالد" عن تفاصيل النبإ الذي حمله إلينا لتوه وأخرج أنا لأستقصي الأخبار عن قرب! ليس غير "دحان" بإمكانه أن يبت في صحة هذه الشائعة من عدمها. يسمونه "كورجكن" .. يسمونه بهذا الاسم في غيابه فقط؛ ففي حضرة عضلاته المفتولات وبنيته الجسمية القوية وشجاعته المتهورة لا يمكن لشفة أن تنبس بهذا الاسم . والويل كل الويل لمن يناديه بهذا اللقب! لم يكتسب هذه التسمية لخلل في تركيبته الذكورية أو لشذوذ جنسي , فما عرف عن "دحان" منذ بدأ التسكع في أزقة القرية أي من هذا! ترك المدرسة قبل أن يكمل الصف السادس ابتدائي وطرده شيخ "الكتاب" في نفس الأسبوع ! قال للأم حين جاءت تتوسل إليه أن يرده : أنا لا أستطيع أن أقبل في محظرتي "غليما" ليس باستطاعتي أن ألوي جناحيه وأقيده ثم أؤدبه علي طريقتي , كاد ابنك أن يهشم وجهي حين حاولت تأديبه بالأمس ! عاش يتيما.. أبوه , قيل , مات عطشا. لم تستطع أمه العاجزة أن تجعل منه ما أرادت : أرادته طبيبا , مهندسا, عالم دين! كانت تبكي دموعا وهي تري وحيدها ينخرط في حياة التسكع والبطالة والإجرام. أبدي اهتماما مبكرا بحضور الأعراس والمناسبات الاجتماعية , يتعرض للفتيات الصغيرات ويتحرش بهن.. وكم من شكوي حملتها أمهات تلك الفتيات ل "مرييم" العاجزة عن غير الدعاء له ب"الهداية"! كان محيطا تمام الإحاطة بأخبار مناسبات الزواج وأوقاتها ..! يعرفها بالتفصيل! مرة عيرته امرييم : "مر"! ما الفرق بينك وبين "كورجكن!!" وشاع له هذا اللقب ! سري في القرية كما تسري النار في الهشيم , أمسي علي ألسنة الجميع رغم أن ذلك ساءها هي أكثر مما أغضب ابنها ..!لكن ذلك لم يغير شيئا في حياة دحان ؛ فقد ظل اهتمامه بهذه الأخبار كما كان , وفيا لها, صادقا, ودقيقا حين يخبر .. يحدثك مثلا أن فلانا يرغب في فلانة بعينها وأن الزواج سيتم في أسبوعين . ويكون الأمر طبقا لما قال! يستوي في ذلك المقيمون في القرية بشكل دائم وأصحاب الزيارات الموسمية .. دحان يسميهم المحظوظين! حكي لي ذات ليلة بامتعاض كيف أن "نبقوها" , ملكة جمال القرية, ستتزوج من أحد هؤلاء المحظوظين , رجل أربعيني يمتلك قصورا في نواكشوط أمهرها _وهي في الرابعة عشر من عمرها_ بأربعة عشر مليون أوقية! قال لي دحان وهو "يسرح" شعره الكثيف علي مرآة صغيرة في يده: "مليون مقابل كل سنة.! 
علاقتي ب"دحان" كانت في أحسن أحوالها آنذاك .. يكبرني بأحد عشر شهرا, يظنها هو أحد عشر سنة حين تسوء علاقتنا ! يرفض أن أرافقه.. يتعلل: "الصبيان يجب أن يرافقوا من هم في سنهم" لكن قليلا من الرشوة يمكن أن يغير بسهولة وجهة نظره الاستعلائية هذه! لدحان عوالم لا يطلع عليها إلا قلة قليلة من الأصدقاء التائقين للتحرر من قبضة "لمرابط" وقيوده, وهي مرتبة لم أبلغها ! قلت لدحان وهو يداعب أعقاب سيجارة بين أصابعه: هل سمعت أن ميمونة ستتزوج؟ أمعنت النظر في تقاسيم وجهه لعلي ألاحظ أي تغير في تعابيره, لكن وجهه الوسيم لم يفارقه ذلك الهدوء المصطنع الذي يتكلفه أحيانا ليوهم من لا يعرفونه بأنه إنسان محترم ..! 
 
_"إذن أنت تعرف!.. توقعت ذلك .. أخي الصغير "خالد" أخبرني بذلك..!" واستدركت حين رأيت شفتيه تنفتحان عن ابتسامة تنبض احتقارا وسخرية : "أقصد أنه أخبرنا بذلك , لم يكن في الواقع يشعر أني موجود في الغرفة.. طبعا لا يمكنه أن "يحتقرني" بهذه البساطة" شعرت بإهانة كبيرة يوجهها لي دحان .. لا يهم ! في أي مدرسة تعلم اللعين معني الاحترام ..! هذا "الكورجكن"! {علي الأقل أرضي ضميري بالانتقام منه في سري..!} 
_"سأخبرك سرا" أصغيت بانتباه لما سيقوله .. اتسعت عيناي وانفتح فمي وأنا أتلقف الكلمات الموجزة التي تلفظها بهدوء وبطء وثقة زائدة ! 
_ ماذااا !!! 
 
_لن أعيد كلامي, لم تفهم ما قلته؟ أم أن هذه الآذان الكبيرة لم تتسع للكلمات القليلة التي قلتها , يمسك اللعين أذني بيديه ويجذبهما برفق . لم أعره انتباها وهو يضايقني, ولو أنه لم يكن باستطاعتي أن أفعل شيئا, لكني في الواقع كنت مندهشا , كعادتي حين أسمع خبرا لم أكن أتوقعه. 
_ "ولماذا تتسع عيناك لهذه الدرجة ؟! ألا يمكن لي أن أتزوجها ؟؟" تمنيت أني أمتلك من الشجاعة ما يجعلني أواجهه بها لكني فضلت أن أسر بها لنفسي: لاااا , لا يمكنك أن تتزوجها. لا بد أنهم قد جنوا ! أهلها.. كيف يزوجونها لهذا الكرجكن!! طالما فكرت أن أهل القرية يظلمون ميمونة كثيرا حين يجعلونها في منزلة العانس وهي التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين . أعرف أن أخواتها الثلاث اللاتي يصغرنها كلهن تزوجن قبل بلوغهن العشرين. صغراهن تعلقت بالقطار وهي في الثالثة عشرة , والوسطي في سن الخامسة عشرة, أما الأخت الكبري فقد كاد القطار يفوتها ؛ تقدم بها السن حتي نيفت علي الثامنة عشرة قبل أن تتداركها العناية الإلهية فينقذها أحد أبناء العمومة من مصير ميمونة !
 
ونحن صغار جدا عرفنا ميمونة وهي تبحث عن عريس..! كانت تقسم علينا "تنكل" وتوصينا أن ندعو لها حين ننتهي من قراءة القرآن .. كنا نلتهم "تنكلها" بنهم ثم لا نتذكر ميمونة ودعاءها إلا حين نلقاها في المرة الأخري وهي توزع "التنكل" وتوصينا..! وحين كبرنا عرفنا ميمونة في الأعراس.. كانت غير تلك التي عرفنا ونحن صغار؛ ربما لأنا لم نكن وقتها نمتلك هذا المنظار الغريب الذي نميز به بين الجميلة وغير الجميلة! وكانت ميمونة تتألق جمالا ولباقة ومرحا وخفة روح ودم ..! كانت الأعراس فرصتها الوحيدة لإظهار نفسها وزينتها التي تسرف فيها حد الغلو. كان "الصك" الذي تعلقه علي ذراعها الأيمن يعج بأحدث أنواع مستحضرات التجميل وأدواته, وتلك كانت شبه معجزة نظرا لبعد القرية عن مراكز البيع والشراء الرئيسية الموجودة أساسا في العاصمة نواكشوط. حين تراها في "الأعراس" تدرك أنها تتصرف كمن يجد في البحث عن شيء بأقصي ما يمكن ..! القامة المتوسطة الطول والعينان السوداوان جدا والأنف هي أبرز ما يشدني في ميمونة . أما دحان "فيموت" في الجسم المكتنز والشفتين والأرداف.!
 
لقي خبر عرس ميمونة" اهتماما كبيرا من قبل الجميع ليس فقط لكونها متقدمة نسبيا في السن بمعايير القرية بل لأنها ارتبطت بقصة نسجت حولها الكثير من الشائعات.. فمن الثابت عند أهل القرية أن سبب تأخر زواجها يعود ل"تازبوت" أو دعوة مستجابة من أحد الشيوخ المشهورين بالصلاح والولاية. صادف أن كان هذا الولي في زيارة للقرية حين تمت دعوته لعقد قران إحدي الفتيات. كانت ميمونة في تلك الفترة قد دخلت لتوها في مرحلة "العزوبية" والبحث عن عريس , لكنها دخلت بقوة كما يقال! وقد سمعت ميمونة الكثير من القصص الخرافية وكيف يمكن للفتاة أن تحصل علي عريس بسرعة . ولعلها سمعت فيما سمعت أن من لمست "العقاد" , الذي يتتولي عقد القران أورمته بشيء خفيف ستتزوج في أقرب وقت ! حضرت ميمونة عقد القران واتخذت لها مكانا استيراتيجيا غير بعيد من الولي, وما كاد العجوز ينتهي من خطبة الزواج حتي انقضت عليه ميمونة و أهدته ضربة قوية بيدها بين الكتفين..! كذلك يروي القصة جل من كان حاضرا , أما دحان فيضيف أنها أمسكت ثيابه من الخلف بيدها اليمني وجذبته بطريقة دائرية وحين استدار سددت له لكمة بيدها اليسري علي بطنه! 
 
من حينها أصابت ميمونة لعنة العزوبية الأبدية نتيجة لدعوة الشيخ الولي وهو يتلوي من الألم ..! اثنتا عشرة سنة قضتها ميمونة وهي تنتظر اليوم الذي يأتي فيه من يرفع عنها هذه اللعنة. ويبدو أنها عثرت عليه في النهاية ! بالطبع كان دحان يمزح معي , فليس هو بالشخص الذي سيتجوز ميمونة. لقد كان شخصا آخر لم يخطر لا علي بال دحان ولا حتي ميمونة نفسها. تحدي التقاليد الاجتماعية الرافضة بقوة لفكرة تعدد الزوجات وقرر أن يطلب يد ميمونة. لم يعر اهتماما لزوجه العجوز الغاضبة ولا لفارق الأربعين سنة الذي يفصل بينه وبين زوجه المستقبلية !لم يتم عرس ميمونة وفق ما كانت تحلم به .. مر الزواج بصمت .. وتحت جنح الظلام زفت ميمونة إلي شيخ المحظرة لتقتسم "بعدل" فراشه مع زوجه العجوز ..! 

جورج الثاني عشر.


 بابه ولد أدو 

بحركة خاطفة تلتقط هاتفها نو كيا أن 85 وبلمسة خفيفة لزر "عرض" تسكت أغنية تامر حسني المضبوطة كنغمة تنبيه للرسائل .. بحروف لاتينية تتخللها الأرقام 2و3 و 9تظهر الرسالة التالية : " سأكون في الموعد بعد قليل." تلقي نظرة سريعة علي المرآة الصغيرة قبل أن تطبع عليها قبلة إعجاب .. تنسي وهي تخرج من المنزل أن تطفئ التلفزيون, تاركة مشاهدة بقية المسلسل التركي لكومة من روايات أحلام المبعثرة وبعض الملابس المتسخة وحقيبة صغيرة وأشياء أخري تافهة...


ها هو فارس الأحلام _أخيرا_يترجل عن حصانه ليحملها معه إلي عالم عاشته في أحلامها زمنا طويلا .. عاشته مع كل قصة قرأتها , وفي كل مسلسل شاهدته .. وغاية ما تحلم به الآن أن يتحقق ذلك الحلم ! تعرفت عليه قبل شهرين عن طريق "موبيشات" ، لم تكن في البداية من مستخدمي شنقتل , لكنها لم تتردد أن تجربها عندما حدثتها إحدي صديقاتها أن صديقة لابنة خالتها أكدت لها أن إحدي بنات عمها تزوجت عن طريق "موبيشات" . ولم يكن حديث هذه الصديقة مجرد كذب , فقد جربت هي بنفسها.. والنتيجة " أحمد "! أو "جورج 12" كما يلقب نفسه . كم هي ممتنة لهذه الخدمة!


"جورج12" , كما حدثها, يبلغ من العمر تسعة وعشرين عاما , يمضي معظم الوقت مع أسرته في بلجيكا حيث يعمل والده كأخصائي في جراحة العظام ويتمتع بسمعة طيبة هناك. والده , كما يؤكد "جورج12", يمتلك ثروة كبيرة في بلجيكا كما يدير واحدة من أنجح شركات الأدوية, لها فروع في كثير من الدول الأوروبية والأسيوية . "جورج12" , بالرغم من امتلاكه شهادة عليا في الهندسة من أعرق جامعة في بلجيكا , ليس موظفا , بل يكتفي بالإشراف علي بعض الأعمال التابعة لوالده


استغرقها الأمر شهران لتقنعه بضرورة أن يلتقيا .. تذرع أولا بصعوبة الوصول إليها , فليس من السهل عليه وهو القادم لتوه من بلجيكا أن يخاطر بسيارته نحو الأحياء الشعبية وشوارعها حيث تسكن الأميرة "هيفاء 3" , لم تبخل عليه بأي معلومة .. زودته بكل تفاصيلها الشخصية , أرسلت له ذات مرة : "اسمي خديجة , أبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما , أسكن في "ملح" مع أسرتي" .


ولم تكن الرسالة التي استلمتها لتوها سوي تأكيد لوعد انتزعته منه بعد محاولات عديدة , انتظرت هذه اللحظة طويلا , واستعدت لهذا اللقاء أياما ! ولم تبد أي اعتراض عندما طلب منها أن يتم اللقاء قرب "سوق كبتال", أبعد نقطة يمكن لسيارة جورج12 أن تبلغها!


كان بالتأكيد يوما استثنائيا ! كل شيء كان جميلا: شمس حزيران .. وجوه السائقين.. شوارع نواكشوط ! الكل يبتسم لخديجة .. وبدا صوت تامر حسني أجمل مشعرا بورود رسالة جديدة .. تعرض الرسالة غير عابئة بنظرات المرأة البدينة الجالسة معها في المقعد الأمامي للتاكسي , والتي استسلمت لعجزها بمجرد أن لمحت الحروف اللاتينية . واحترقت المرأة فضولا حين ارتسمت ابتسامة خفيفة علي شفتي خديجة وهي تقرأ الرسالة !



"لماذا يختار "سوق كبتال" بالتحديد"؟ لم تفكر في هذا السؤال من قبل , كل ما تعرفه أن ضجيج هذا المكان وفوضاه ليسا مناسبين بالتأكيد لاحتضان لقاء كهذا , إلا إذا كان "جورج12" له نظرة رومانسية خاصة !


وعلي بعد أمتار قليلة يجلس رجل يشي وجهه بأنه تجاوز الأربعين بسنوات , دراعة من الشقة يظهر –بعد تمعن- أنها كانت يوما ما بيضاء , وقطعة طويلة من القماش تدلي طرفاها علي صدره بعد أن دورها علي رقبته ثلاث مرات , يمسك بيده اليمني جهاز "مكبر للصوت" يكرر العبارات التالية : " عندن كرتات ماتل أموريتل أشنكتل .. لا إله إلا الله محمد رسول الله , اكريدي إلاه , أعندن تحويل الرصيد ألف ألف واخمسمية , أخمسمية اسبعمية ........." كانت عيناه تتابعان باهتمام الفتاة التي نزلت لتوها من التاكسي , بشرة بيضاء تميل قليلا إلي السمرة , متوسطة الطول, أقرب إلي النحافة


. اتجهت مباشرة لسيارة من نوع أكس 5


مركونة بجانب الطريق. "تماما كما أمرت ! " همس ساخرا .. تأملها وهي تقف مستندة إلي السيارة , بدا وجهها جميلا وبريئا , وأخيرا رأي "هيفاء 3"! شعر بضميره يؤنبه .. " المسكينة ! كذبت عليها" .. كان أسرع إلي هاتفه منها لهاتفها .


وحينما طلبت الرقم سمعت عبارة لم تكن تتوقعها : " الرقم المطلوب مغلق!" ..




باب ولد آدو 

28/12/2010