لم أعد "عبدا"
بابه ولد آدو
المطبخ.. سيكون آخر مكان أفتقده وأحن إليه بالرغم من أنه هو الغرفة الوحيدة التي قضيت معظم وقتي بين جدرانها منذ حكم علي أو حكمت علي نفسي أن أدخل في علاقة لا أفهمها مع هذا المنزل وأهله. والغريب أن هذه العلاقة التي تمتد لسنين طويلة , عرفت خلالها أهل المنزل فردا فردا ونسجت لي ذكريات مريرة وأخري حلوة مع غرفاته وباحاته, لم تؤثر علي القرار الذي أزمعت اتخاذه صبيحة ذلك اليوم. كان قرارا نهائيا!
المنزل هو _تقريبا_نفسه المنزل منذ عرفته, تعديلات بسيطة طرأت علي لونه الذي صبغ بعد وصولي بثلاث سنوات ؛ مزيج من اللونين الأصفر والأبيض ولون ثالث لا أعرفه! تمت إضافة حمام داخلي بالإضافة إلي ردهة ضيقة تؤدي إلي غرفة مقابلة للمطبخ كثيرا ما أدخلها؛ أنام فيها,, وفيها آكل وأشرب وأقرأ أوقات فراغي .. وما عدا هذه الإضافات البسيطة ظل المنزل كما كان ؛ بجوه الطبيعي الهادئ, بأهله المسالمين , وبواجباته الكثيرة والشاقة!
عرفت أهل المنزل قبل أن أعرفه هو, حتي قبل أن أعرف العاصمة نواكشوط! كثيرا ما قدموا لقريتنا التي تبعد 900 كلم من العاصمة , وكثيرا ما كان ذلك في فترة الخريف.. _عرفت بعد ذلك أنه يتزامن مع العطلة الصيفية _ لن أنسي يوما نادت علي أمي وحدثتني عن رغبة أهل "الأمين" أن أصحبهم إلي العاصمة, حيث أعمل معهم في مقابل مبلغ مالي لا بأس به, والحق أنه بدا لي مبلغا ضخما آنذاك! كنت قد جاوزت الخامسة عشر وكنت أعمل علي عربة تركها لنا الوالد بعد وفاته, كانت العربة وثلاث بقرات وقطيع يسير من الغنم هو كلما خلفه الوالد لي أنا وتوأمي "سيد" والأخت التي تكبرنا: "عيشة" كنا بمعايير أهل القرية متوسطي الحال قبل أن نضطر لبيع القطيع ويقضي الجفاف علي البقرات الثلاث..
تحمست كثيرا للفكرة خصوصا وأن الوالدة حدثتني أن أهل "الأمين" سيعتنون بي وسأستفيد من التعليم النظامي , والدتي تدري جيدا كم أود دخول المدرسة! وربما لهذا السبب فقط تحدثني عن المدرسة حتي أتحمس للذهاب! علي أني كنت مدفوعا أكثر بالرغبة في اكتشاف "نواكشوط" , المدينة التي كثيرا ما حدثني أولاد أهل "الأمين" عن مغامراتهم فيها؛ كنت أصغي لهذه المغامرات بشغف كبير غير مصدق! أحيانا من الدهشة وأحيانا لاستحالة ما أسمع! تصر والدتي أن أولاد أهل "الأمين" إخوة لي وأن أهل "الأمين" بمثابة أهلي! فهمت فيما بعد أنها كانت تشير إلي العلاقة التاريخية التي كانت تربط عائلتينا؛ وهو أمر لم أكن أود الخوض فيه كثيرا!
والد أهل "الأمين" يعمل موظفا في مؤسسة كبيرة , شخص مهم كما يبدو.. لا يفتر يستقبل ضيوفا في منزله, وهو ما انعكس سلبا علي؛ كنت أستيقظ قبل طلوع الشمس وأظل أزاول مختلف الأعمال والواجبات المنزلية حتي الحادية عشر ليلا وأحيانا أعمل حتي وقت متأخر! أصعب جزء في العمل المنزلي هو أنك لا تعمل لشخص بعينه, إنك تعمل لشبكة من الأفراد متعددي الطلبات والمهام .. أصغر فرد في هذه الشبكة يمكنه أن يوقظك في أي وقت شاء ليطلب منك أن تساعده في خلع حذائه! بالرغم من ذلك, لم يتصرف معي أهل "الأمين" بعنف. عدا عن الواجبات المنزلية الشاقة كان أهل "الأمين" يتصرفون معي بلطف وأحيانا كثيرة بحنان وعطف.
اكتشفت أن ما وعدتني أمي به لم يكن صحيحا؛ لم أشعر أنني فرد من عائلة أهل "الأمين" ولم يوفر لي التعليم المدرسي الذي كنت أحلم به. كنت أشاهد أطفال أهل "الأمين" يغدون إلي المدرسة ويروحون, كانوا يحدثوني عن مغامراتهم في المدرسة وكنت ,تماما كما في الماضي, أصغي لهذه المغامرات بشغف كبير غير مصدق! أحيانا من الدهشة وأحيانا لاستحالة ما أسمع! ولأني تعلمت القراءة وأنا في القرية فقد كانت المكتبة الضخمة التي تزداد كل يوم بالكتب التي يجلبها والد أهل "الأمين" ,بالرغم من أني لم أره يفتح كتابا واحدا من هذه الكتب, كانت هذه المكتبة فرصة لي لأثقف نفسي في أمور ومجالات لم أحلم بها من قبل.. قرأت في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب.. قرأت كثيرا عن العبودية وتاريخ العبيد, رغم ندرة الكتب المختصة في هذا المجال في مكتبة أهل "الأمين"
يوما سألت نفسي: هل أنا حر أم عبد؟ ووجدتني أكتب علي ورقة: "إنني بمقاييس الناظرين إلي العبودية نظرة مادية شخص حر, فأي فرق بيني وبين من يعمل في شركة مايكروسوفت ويتقاضي راتبا مقابل ذلك؟ فأنا أيضا أقبض مرتبي الخاص وبإمكاني أن أترك مايكروسوفت الخاصة بي وقتما أشاء , تماما كما يمكن لذلك العامل أن يفعل. علي أن حريتي تظل مقيدة , فحقي في التعليم والعيش الكريم ضاع في ردهات هذا المنزل طوال هذه السنين." في غضون تلك السنين التي عملت مع أهل "الأمين" كنت أزور أهلي كل عطلة صيف, كانت فرصة لتجديد العهد بالأهل والأصدقاء, في السنوات الأخيرة بات الأهل والأصدقاء يخبروني أني تغيرت كثيرا
_ "لقد تغيرت كثيرا, أنت لست أحمد الذي أعرف!" تقول الوالدة
_ "أصبحت تتحدث في أمور لا نفهمها" يخبرني الأصدقاء
وكنت أجيب الجميع أنني لم أتغير. فأحمد هو نفسه قبل ثماني سنوات ! صبيحة ذلك اليوم اتخذت قرارا أغضب والدتي وأثار استغراب أصدقائي . لقد تخليت عن العمل مع أهل "الأمين" , تخليت عن المطبخ والغرفة المجاورة له .. عدت إلي العمل علي عربتي في القرية, أمر بمرابع صباي وألاقي لداتي وأترابي . هناك وجدت نفسي وشعرت أني حر.. كنت أقول للأصدقاء: "أنا الآن لم أعد عامل أهل "الأمين", لم أعد عبدا.. أنا أحمد .. أدري أنكم تحتاجون ثماني سنوات من القراءة حتي تفهموني!"
No comments:
Post a Comment