Monday, August 27, 2012

أحلام جنوبية



"الميدوسة"
رماني المترو لتوه على جادة السان جرمان،إعتدت على عوالم باريس الموازية حيث محطات
المترو والخطوط والأنفاق وحيوات أرضية بإمتياز.
كنت أعرف"السان جرمان دوبريه" جيدا دون سابق معرفة،وهنا يسأل معارفي الباريسيون بإستغراب"وهل سبق أن زرت السان جرمان؟
أجيب بثقة:"نعم"،ثم أضيف"بين دفتي كتاب"،يحمل الجواب بعض السريالية إلا أنهم يضحكون فأضحك معهم.
أخرج من محطة المترو وأشعل لفافتي وأتمشى كأي سائح يستمتع بهتك عرض الأمكنة،ألتهم المكان وأتعقب اللوحات الإرشادية والإشارات بحثا عما تبقى من "شيفرة دافينشي"في قلب هذه المدينة الرائعة.
تشيرإحدى اللوحات إلى كنيسة"سان سلبيس"،إحدى مسارح رائعة دان براون البوليسية،تبدو الكنيسة بعيدة إلا أن أجراسها تصلني معلنة إنتصاف النهار،عندئذ لا يبقى أمامي سوى حث الخطى نحو الأمكنة الأكثر إغراء في مدينة كل الأزمنة.
أعرج في طريقي على مقهى"لدماغو" حيث إعتاد سارتر وسيمون دبفوار الجلوس في أزمنة ما،أتسمر قليلا تاركا لمخيلتي متعة إستدعاء الثنائي الثوري،ربما جلسا هناك وربما هنالك في الهواء الطلق،هوهو سارتر بنظاراته الطبية السميكة وهي بملامحها التي أفقدها الأدب بعض أنثويتها.

يبدو أنني أمعنت في التخيل،وهاهم عمال المقهى يتهامسون ويطاردونني بعيونهم أن:"إبتعد ياهذا".
أتابع طريقي سالكا شارع"تورنوه سين" الذي سيقودني إلى متحف اللوفرعبر جسرالفنون،حيث تعود العشاق الباريسيون ترك أقفال معلقة على الجسر ورمي مفاتيحا في السين بعد إحكام إقفالها في طقوس تعبر عن أشياء منها الحب ومنها الجنون.
يقذفني جسر الفنون نحو الضفة الأخرى حيث ممشى فرانسوا ميتران ومتحف اللوفر شمالا.

أستظل للحظات تحت النسخة المصغرة لقوس النصر أو قوس نصر"كاروزل"،أدخن وألتهم المكان بعين نهمة،ثم ما ألبث أن أدخل الزحام أمام الهرم الزجاجي عند مدخل المتحف،حيث تتجسد في الداخل"قصة الحضارة"والتي طالما إعتبرت نفسي ممثلا لجانبها الآخر.الجنوب.

أجتازأخيرا بوابات الهرم الزجاجي،إذ تقودني السلالم إلى قاعدة الهرم حيث الأرضية التي تشكل مركز المتحف.
أدور على نفسي متفحصا خريطة اللوفر في يدي،ثم ما ألبث أن أجتاز سلالم"مولييه" نحو الطابق الأرضي وتحديدا نحو القاعة رقم 77من الجناح المخصص للمنحوتات الإيطالية.
أقترب من القاعة بخطى واثقة ومستعجلة في آن،تشير كل الملصقات الإرشادية إلى لوحة"الجوكندا" في نهاية الرواق المقابل،إلا أني أواصل طريقي غيرعابيء بأمواج السياح المتجهة نحو سيدة دافنشي بفرحة وذهول عارمين.
أقترب من أبواب القاعة رقم77المشرعة،تبدو شبه خالية وباردة،فأدخل وزفرة إرتياح تشيعني.
إستحوذت على القاعة لوحات جدارية عملاقة وبورتريهات من الحجم العادي لفنانين مغمورين،وحفنة سياح تجوب المكان وفق ما تمليه الميول التصويرية وأضواء الكاميرات.
أدنو من اللوحة التي طالما شكلت إحدى إهتماماتي الباريسية،لوحة "الرادو" الشهيرة.
أراد تيودور جيريكو أن يخلد لأشهر الفجائع البحرية الفرنسية وذلك عندما إرتطمت فرقاطة"الميدوز"القادمة من روشفور والمتجهة إلى سان لويس بالسنغال بشواطيء حوض "آركين" على بعد مائة كيلومتر عن رأس "تيميريس" في الشمال الغربي للسواحل الموريتانية.

تم إخلاء الفرقاطة وإمتلأت قوارب النجاة،لكن ذلك لم يكف،فتم بناءطوف تزاحم عليه مئتان من الجنود وأفراد الطاقم،دامت محنة الناجين عدة أيام،أكل فيها بعضهم البعض ورمى بعضهم بعضا في عرض المحيط في مأساة جسدت قساوة وفظاعات ولا إنسانية الإنسان.
تابع جيريكوهذه القصة التراجيدية،شغل مفكرة أيامه بجمع المعلومات عن الحادثة وتابع عن كثب الوضعيات الإنسانية لبعض الناجين وبمسحة رومانسية ميزت أعماله أخرج للعالم لوحة"الرادو"التي شكلت أيقونة المد الرومانسي مطلع القرن التاسع عشر.


لطالما شكلت مأسأة الميدوز بالنسبة لي مثالا لقصص الهجرة التي لا تتكلل بالنجاح،بفجائعها ونهاياتها غير السعيدة إطلاقا.
وهنا يعلمنا التاريخ أن شعوب الضفة الأخرى للمتوسط سبقتنا نحن الجنوبيون بأحلام الهجرة وحث الخطى نحو المجهول.
على أن الهجرات الأوروبية كانت على شكل فتوحات ومشاريع قومية،فكان أن هاجرت أمم بعينها نحو الجنوب،حيث العاج والفستق والصحاري والغابات الإستوائية والثقافات المسالمة.
اليوم وبعد أن دار الزمن دورته وتحددت معالم العالم مابين مراكزوهوامش،بلاد أحلام وبلاد وجع،إستمرأ الجنوبيون عودة التاريخ،وإمتهنوا الهروب نحو الضفة الأخرى،ليتركوا خلفهم أمما فارغة إلا من الإيمان والأمل.
كانت عودة تاريخ الهجرات بفجائع مضاعفة ووجهة وحيدة،قصة إنسانية تستدعي بروزرسام آخر من طينة جيريكو،علٌه يستطيع تصوير الجنوب بالمسحة الحزينة عينها وهو يموت على مذبح المتوسط.
وعلى جيريكو المنتظر ألا يغفل جانبا مهما من قصص الموت هذه،ألا وهو ضعف الإنسان والهوة الشاسعة بين أحلامه وإمكاناته،وعليه أيضا أن يخلد لكائن آخر مهاجر،لكن بإمكانات أسطورية،إنه سمك البوري الأصفر الذي يقطع آلاف الأميال في الإتجاهين دون غذاء،لذا لايذكر هذا الكائن في مجالس الحالمين بالهروب إلا وشعروا بالغيرة والحسد نحوه.
يبدو ضحايا"الميدوز" في وضعية مأساوية،صرعى ينظرون إلى السماء أملا في عون قد يأتي،وآخرون إتخذهم البحر قرابين لقصص عبوروحياة وموت ستستمروبلاهوادة،أشرعة وسماء ملبدة وناجون حولتهم غريزة البقاء إلى وحوش ضارية،بإختصار إنها البشرية حين تفقد إتزانها.

يبد و أنني سرحت على طريقة الجنوبيين عندما يرمي بهم الحظ على الضفة الأخرى،ينظٌرون،يستجدون التاريخ ويتحدثون مطولا عن لاعدالة الشمال،وبعد مدة يستلمون جوازاتهم الأوروبية فيبصقون على الجنوب ويرمي بهم التيارعلى عجل نحوالضفة الأخرى للنسيان.
والحق أن الوقوف أمام"الرادو"يعني الكثير لأي سائح ينفق بسخاء ليتجول في باريس،أحرى إذا تلعق الأمر بمهاجر وصل إلى هنا كيفماإتفق،بعد أن كرس شبابه في رعاية حلمه وتشذيبه وحمايته من أقدام تمتهن دعس الورود.
يربت أحدهم على كتفي بلطف،علٌه يريد أخذ صورة لجدارية جيريكو العملاقة،لم لا؟
فبادرته قائلا:"عفوا،تفضلوا..."،لقد صُدمت إلا أنه فترعن إبتسامة أزلية إعتدتها أنا وكل الذين سبقوني إلى هذا البرزخ الأوروبي.
الأكيد أنني سرحت،بل وإمتطيت أحلامي الجامحة فدحرجتني بقوة على سهول وهمية،آه يا شمال تسافر الروح نحوك قسر قوانين الجسد،كأن أحلام العبور الجنوبية قدر لا فكاك منه،لعنة تطارد الأرواح المسكونة بالهروب.
أظل أجوب ردهة الإنتظارموليا ظهري حينا لعامل السفارة الذي تشاغل عني ربما لحقن أحدهم بجرعة أمل في الرحيل،ناظرا حينا للباب الخشبي الموصد الذي كتبت عليه بأحرف كبيرة لاتخطئها عين هارب من حكم المكوث"مصلحة التأشيرات بالسفارة الفرنسية".

عاد عامل السفارة وأخذ بيدي كصديق قديم ومضى بي إلى مكتبه الذي يشبه الخزنة في حجمه وحتى في دوره التجاري.
دخلنا"الخزنة"فأجلسني على كرسي غير مريح،وجلس هو على كرسيه الدوار والذي لا يدور إلا تبعا لرغبته هو في الدوران وتنميق جمله القصيرة والقاتلة،كنت أعرف الجواب مسبقا لأن العادة جرت على ألا يدخل هذه الغرفة إلا من تم رفض طلبهم للتأشيرة،خلاف ذلك فالخبر المأمول يزف في الردهة أو أي مكان آخرلعل أحد الحالمين المتسمرين في أروقة السفارة يقنع بجدوائية سمسارالأحلام هذا،فمع مرور الأيام أضاف هذا الرجل إلى سمسرةالأحلام تسويقها،إنه سفير غير معين.
قال بنبرة هادئة:"هذه ليست نهاية العالم..."،فإبتلعت اللحظة،إلا أنه واصل"..في المرة القادمة ستكون حظوظك أقوى،كما أنه صاريعرفك ولن..."،آخر مرة وسترون،كنت أبتلع خيبتي هذه المرة،بادرته قبل أن ينهي كلامه المكرور:"كم تستحقون؟
أجاب مطرقا :"ثلاثون ألفا"وناولني ملف طلب التأشيرة،ناولته المبلغ المستحق وأخذت أوراقي وتحاملت على نفسي وخرجت، فرافقني حتى الردهة وقفل عائدا.

كانت شمس المدينة ترسل أشعتها بسخاء مبالغ فيه،وكنت أبالغ في الحزن،في إحدى يدي أوراقي ووثائقي الرسمية،وفي الأخرى خرائط باريس ودليل متحف اللوفر.
لم أكلف نفسي عناء إلقاء نظرة على خربشات مسؤول التأشيرات على ملفي،فأسبابهم للإجهاز على أحلامنا كثيرة،أقلها عجز في اللغة والتواصل أو في ذات اليد،وفي جميع الأحوال تنافر بين الأحلام والإمكانات وهذا مالايقال إحتراما لقدسية هذه الأحلام.
لم أكلف نفسي أي شيء بقدرما إستنزفتها وطوعتها لتتجول عن ظهرغيب في شوارع باريس،ألأننا نعرف تفاصيل العوالم التي تسكننا نتجول في اللاهنا دون دليل؟ ربما، ومع ذلك يحدث أن نضيع خلف ذرى الأحلام الشاهقة ولانعود.

كان الإبحار نحو اللاهنا الموعود خيارا لا رجعة عنه لتلافي الإنحدار نحو قاع الهزيمة،فشمالا في مدن العبور الأزلية زوارق وسواعد تغالب عنجهية المحيط لترضي أمثالنا من المغامرين وشذاذ الآفاق،من الذين يعيدون كل يوم وكل لحظة رحلة الميدوز بنهايات مغايرة أو مشابهة،ليثبتوا قصدا أودون قصد أن عدالة التاريخ ممكنة،وأن قصص العبور بين الضفتين مستمرة...
سأجعل"إسبانية"محطة في درب المنافي وأعرف أنني قد لا أصل،وقد أصل فتمنعني الحواجزمن إجتياز الحدود،وقد أجتازها فتعتقلني السلطات وتعيدني في مؤخرة طائرة إلى بلدي كمخلوق قذر غير مرغوب فيه.
أمنيتي الوحيدة عندما أصل الأراضي الإسبانية بسلام ودون عقبات هي أن يعتبر القشتاليون بروح كلها تسامح أن موريسكيا قد عاد.


حنــــــــين

"حنـــــــــــين"
توارت خلف قسمات وجهه الفاتر غصة لاتعرف لنفسها مكان بعينه,فهى فى الحلق وفى القلب أيضا وهى على أى حال حنق على الزمان,الزمان الذى تلقفه من يد قابلته يوما وحمله على بساط من ريح ليرميه بعد هنيهة لم يستوعب كل أحداثها على قارعة السبعين بسكر زائد وعكازوسبحة من مائة حبة.

صارت جحافل الذباب تزاحمه على قدحه فيعافه ليس لأن الذباب إسترسل فى نبشه فحسب,بل لأن مرارة إستوطنت فمه فلم يعد للأكل طعم ولا للحياة فهى الأخرى صارت رتيبة بطيئة كدابة حرون.
أما رفاق الفتوة وفض العذارى فقد تساقطوا تباعا كأن بينهم تواطؤ لتركه وحيدا فى أزمنة ليست له.
"زينب,زينب"ينادى بصوت مبحوح قادم من بعيد,"الراديو"فتقبل زينب حاملة المذياع وقد تلفعت إتزانها المعهود,وحين يوقد مذياعه العتيق يبدأ فى البحث عن إذاعة فرنسا التى يتقن لغتها بفولتيرية معتقة,وما من سبب وجيه قد يفسر إصراره على التفرنس سوى حنينه المتقد لأزمنة التوهج الغابرة,ففى فترة من شبابه عمل مترجما لدى الإدارة الإستعمارية بعد أن توسموا فيه قدرة فائقة على إستيعاب لغتهم,ويذكر دوما بكثير من الفخر أنه كان أول من إقتنى مذياعا فى ذلك الزمن,فكانت الوفود تتقاطر على خيمته إشباعا لشغفها بهذا الصندوق الخشبى الذى يتحدث كل اللغات,كان ذلك فى فترة الخمسينيات بداية بروز الحركات الوطنية وإحساس الناس بالعالم من حولهم,فكان أترابه يتحلقون حول الجهاز المعجزة سمًٌُارا ينظٌرون لمستقبل العالم,بدأت أخبار المشرق تصلهم عبر الأثير مطبوعة بإسم أوحد جمال عبد الناصر وأحلام الوحدة العربية,وكانت أخبار فرنسا المأزومة تصلهم فى القانون الإطارى والإستفتاء والإختيار بين الوصاية أوالإستقلال.
يذكرهذه الأحداث نادما على أشياء كثيرة قام بها ما كان ليفعلها لو عاد الزمن إلى الوراء,لأنه تورط فى السياسة فورطته فى السجون فيما بعد....

وبغتة كزخة مطرشتوى تقفزالذاكرة كدابة لكزت من خلف,فتبدوسنوات السياسة والسجون مرحلة حتمية طواها النسيان,فمامن شيء مغري يستدعى إستجدائها فليست سوى قاطرة أمامية من قطارالعمر مضت مبتعدةبصريرها وأزيزها مخلفة غبارا شفيفا فى الحيز الزمكانى الذى يفصلها عن القاطرة الأخرى,قاطرة أم أخريص.
المرأة التى جمع من أجلها التراث المروي لمنطقة الصحراء الكبرى شعراونثراوحبا,أم أخريص التى وقع فى شراكهافى غفلة من طبعه البدوى الجلف,فكان أن قادها فى ليلة نصف مقمرة إلى خيمته عروسا من طينة النساء الخالدات,فكان الرفاق فى الجواريرقصون ويقفزون بعشوائية منتظمة,تحلقوا حول نقطة لا مرئية فكان الواحد منهم يرقص حتى تفور دمائه وتتسارع أنفاسه فيستسلم بكبرياء للفارس القادم على وقع صرخة مدوية تم التواطؤ عليها سلفا,بدورهم الرعاة أطلقوا العنان لمواويلهم التى إعتادوا هدهدت النوق بها عندما يعزُ الكلأ,فغنوا بإخلاص فى ليلة بدت سخية وقد وُضعت على مقربة منهم المراجل العملاقة التى تذكر بولائم أسطورية....

يتوقف الشريط بواقعية مبررة عندما يبدأ الوعي فى التحليل والمفاضلة بين ما كان وماهو كائن,بين الأحلام المتبددة وكوابيس الواقع المفجعة,فلقد كتب له أن يقضي حياته منتقلا من قاطرة لأخرى بينما آثر آخرون بإملاء من القدرأن يختفوا خلف ذاك الغبار الشفيف دون يبدلوا أماكنهم,مكتفين بقاطرة واحدة,من بين أولئك "أم أخريص"والرفاق بكار"الذيب"ومحمد"لحوار"والناجم وغيرهم كثر....
أما هوفظل يعود القهقرى حتى ملٌ السفروهاهويقبع فى قاطرة وسمت بالرقم 7فى رحلة لا متناهية...

يصل صوت المذياع كإشارة من القدر بأن الرحلة لم تنته بعد,كعادته كان المذيع يجترُ الفجائع,حروب هنا ومدن تحترق هناك,لشك أن الحروب فى زمنه كانت أقل...
تبدأ زينب فى إستلام وظيفتها اليومية,إشاعة الأمل,فتطرح عليه أسئلة متنوعة لا تكتسي أهمية بحد ذاتها بقدر ماهي موجهة للتنفيس عن رجل ترهلت أيامه وهو يدخل الشيخوخة من أوسع أبوابها.الغياب.
ـ مالجديد؟تسأل دون إهتمام بجوهر الجواب القادم ودون تهكم أيضا...
ـ لا شيء,أزفت الساعة,الموت والدم فى كل مكان,بإقتضاب أجاب وتأوه دون أن يدري بأن الموت كان يحوم فى الجوار,وقد بدت كلماته كحسرة حكيم خاب رجائه فى أتباعه,على أن كلماته حملت إنسجاما واضحا بين الوعى واللاوعى,بين مايعلنه الأول وما يضمره الأخير.

ففى عمر كهذا تصبح حماقات قادة العالم سببا وجيها لإنتظار تأشرة العبور إلى العالم الآخر,حيث يقبع الأحباب...
تتململ زينب فى مكانها بلاسبب واضح,إعتادت أن تسمع منه ترانيم الموت,كان يقول دوما بسبب وبلاسبب "الموت قادم" "أنا أنتظرالموت",لم تكن لتخاف الموت قط فقد أخذ أمها ميمونة بحضرتها فى ليلة دافئة من العام الفائت.
وكانت ستتقبل موته بتسليم حقيقى لأنه هونفسه ينتظره بل ويطلبه فى كل لحظة,إلا أنها لم تكن لتقبل بدور رسول الموت,ليس هذا فحسب بل إنها كانت تخاف عليه من النبأ المستجد,لم لا وهذا آخر رفاقه يأتيه الموت بغته بعد أن لم يعد ينتظره لأنه إنتظره لسنة كاملة على فراش للموت إلا أن الموت لم يأت, وحين آمن بالخلود إنتهت أيامه....
مات "شياخ"إذن منذ ساعة.

بوجه معروق إقتربت منه,وقالتها بنبرة محايدة"إطلب الرحمة لشياخ ولد إدوم,وافته المنية هذا المساء......",لحظة صمت طويلة ,إنعقد لسانها فجأة,أما هو فظل ساهما فى السقف المهتريء,قال فى خدر مصعوق "يجب طلاء السقف"وظل ساهما للحظات إلى أن أسلم الروح....,لا لم يمت,تأوهاته,تمتماته تزداد حدة ,إستغفار وحوقلة,تأمل أقدارهم المتنافرة فى لحظة حنين,أمعن فى عتابهم,لكن بلا طائل,إلى أن يلتقوا سيُعد لهم الكثير من الأسئلة....!

في إنتظار الجنون

"في انتظار الجنون"

 تلك هزائم لم أعد أطيق تكرارها ولم يعد في العمر أيضا متسع من الوقت لانتظار معاركمواتية، ضاع الكثير......
راودتني في لحظة ما فكرة بد ت سريالية للغاية، فكرت لو أن في أعمارنا - كما في المباريات- وقت بدل ضائع، لحظتها فقط سيجد أولئك الذين لم يحسنوا امتطاء أيامهم فرصة لا تعوض ليكونوا ما أرادوا كونه،سيجد الضائعون فرصة لتلافي ضياع آخر والحالمون فرصة لأحلام تتحقق،أما أنا فسأجد ما ضاع من عمري في متاهة العدم لأصنع به ما أشاء دون ألم،فقط لا غير...."التخمام يجنن" تأتي الجملة الفجة المتداولة بكثرة في أوساط العقلاء لتأرجحني من أعماقي الشاهقة،فأجدني فجأة أمام الواقع بكل حيثياته المُرة،مرة أخرى....يتفحصني "بطروني" بنظرة مُلحة على غير عادته،فهل أن أحد المعارف أسر إليه بكومة من تفاصيل الزمن المُر،ربما ولربما هي أوهام تقمصتني وأنا أسير دون إكتراث نحو حافة الجنون.
يسأل"محمدن" ببرودة طبع معهودة"ما بالك ،هل صحتك بخير؟أجبت فورا كي أتخلص منه"بخير والحمد الله"ولحسن الحظ فقد فاجأه زبناء ليليون من الذين يستهلكون ورقة الألفين دفعة واحدة فسال لعاب جشعه على لحيته الكثة ولم يعد مستعدا لفتح أحاديث جانبية بلا طائل.
ليس "محمدن" بذلك الإنسان المثالي الذي تمنيت العمل معه،فهو وإن كان رجلا ملتزما ومواظبا على أداء صلواته الخمس في محله،فإن منظره الخارجي ظل بالنسبة لي حقيقة عصية على الفهم.
بدءٌ بلحيته المبعثرة والتي لا تذكرني بأناس محببين، ودراعته التي استحال بياضها إلى صفرة باهتة،أدركت أنني أمام رجل من طينة أعرفها جيدا،رجال"يخنقون الديك على الحبة" حسب الوصف المحلي الشائع.فقد كان رجلا يجمع المال بإخلاص نادر وجشع تفضحه العيون،دون أن يكون له من هذا المال نصيباقتربت منه في إحدى المرات متجاوزا ما يفرضه الحياء الاجتماعي وأدب المجاملات لأقول بصوت خافت خشية أن يسمعنا أحد :محمدن، دراعتك متسخة،عندي واحدة لك.....".
ابتسم لي ابتسامة طبقية وأفحمني برائحة فم غير مشجعة ليقول :لا،شكرا,عندي واحدة لدى الغسٌال "لحبوس",مشكلتي هي" الوحلة".
قررت بعد هذه الحادثة ألا أفاتحه أبدا في أمور هي في نهاية الأمر قناعات شخصية,كما أني بت أخشى على مصدر رزقي.
وكأن القدر يستفزه،يأتي أبناء العمومة من مضارب القوم البعيدة ليحطوا على قلبه ولو لساعات معدودة، ساعتها ينتفض فيه مارد العشيرة فيبدأ بإكرام ضيوفه برسمية زائدة وإحساس عميق بالأسى على تكاليف ضيافة قوم ثقلاء يأتون من بعيد لأسباب تافهة، ليسلبوه عمدا أو دون عمد "الأواقي " القليلة التي منٌ عليه بها الدهر،هكذا كان "محمدن" يزن مثل هذه المواقف.
كنت أستحضر هذه المواقف لأعرف إن كان بإمكاني تلافي تجاربي السابقة مع رجال أودعوني ذكريات سيئة.

(2) 

قال"لخويطر"موجها إليٌ كلامه وكأنه يبارك دربي الموحش:....الغابون،تكاليف السفر زهيدة إذا ما قورنت بأنجولا مثلا، ثم إن لي معارف كثر هنالك،ستجد عملا مريحا وستنسى أنك كنت تتقاسم لفافة التبغ مع معلم لا يقيه راتبه شر استجداء الأعقاب الحارقة...."وضحك.
أودعته نفسي وقلبي ورحلت ذات مساء غير مشهود.
استقبلني "علوات" في الغابون، كان خمسينيا قصير القامة وأمرد يخلو أسلوبه في الشد على يد مصافحه من أية مسحة إنسانية،كان متعودا على طقوس الاستقبال هذه، فنظرا لتشعب علاقاته كان عليه التواجد من وقت لآخر في مطار ليبرفيل لاستقبال الوافدين الجدد.
ركبنا سيارة الأجرة التي كان سائقها يتكلم بفرنسية فظة وركيكة على ما يبدو،وتوجهنا إلى حيث يقطن علوات أحد أحياء الطبقة المتوسطة في ليبرفيل ،في الطريق استغرقت في مشاهدات استكشافية لبيوت المدينة الواطئة وأشجارها السامقة،علها كانت فسحة للأمل راكمت خلالها حفنة أحلام كانت" ميمونة" تتسكع خلالها بثقة.
غير أن مضيفي أصر على إقحامي في الصورة قائلا"ستقيم معي إلى أن تجد عملا،فأنا لست بحاجة إلى عمال في هذه الفترة،تكون محظوظا إذا وجدت عملا خلال شهر،وسأعمل ما بوسعي لأساعدك...."
قررت ألا أعلق على هذه الإجتزاءات غير المنتظرة،وواصلت التهام المدينة بعيون خائبة،متذكرا"لخويطر" بمشاعر عدائية تفوح منها رائحة الأعقاب العفنة.
وصلنا إلى مسكن "علوات" الذي كان عبارة عن غرف متراصة مطلة على فناء مبلط كيفما اتفق،مسكن على الطراز الإفريقي يشغل "علوات"غرفتين منه بينما يشغل الثالثة شباب من أهل البلد.
حملت أمتعتي وتبعت مضيفي،أدار المفتاح في باب الغرفة الأولى لكنه ترك المقبض لسكونه،واصل طريقه نحو الغرفة الأخرى فتبعته دون أي إحساس بالكرامة،أدار المفتاح مرة أخرى وحرك المقبض بعجرفة ودلف الغرفة، فسايرته في خطوه المكابر كأني وكأنه رجلان تقاطع طريقاهما ذات هجرة.
أوضح بابتسامة صفراء:هذه غرفتك،معك"باباه"و"عبدو"،ثم أضاف"إنهما في المحل، سيعودان مساءا، ستتفاهم معهم فهم طيبون للغاية"،انصرف وبعد هنيهة عاد وفي يده عصير مانجو وقنينة ماء،استرخيت وأطلقت العنان لتأوهات وأنفاس لاهثة من فرط التعب إلى أن باغتني النوم.
كنت أسمع همسا متقطعا وكؤوسا تلامس قعر صينية مصدرة موسيقى خافتة ومألوفة، استيقظت،لقد كانت أحلامي صاخبة وما إن رفعت رأسي حتى أفحماني باستهلال مُعتٌق"مرحبا ووخيرت..."تأقلمت بسرعة وصرت عضو في الجوقة،لقد كان "باباه"و"عبدو" في "البراد الوسطاني".
يومان،ثلاثة،لم تكن الأمور على ما يرام، ربما هي العجلة،لكن حتى في غمرة تأملاتي وحيدا في مخدعي الاستوائي،في لحظات السكينة والقدرة على الاستشراف،لم أكن أرى في الأفق إشراقة مواتية، ذلك أن"علوات"لم يحرك ساكنا بعد،حتى أنني خشيت أن يكون قد نسي أن في الغرفة المجاورة لغرفته صعلوك يتقلب على فراشه كل ليلة دون شهية للنوم ودون عمل وبتاريخ حافل بالخيبات.
في إحدى الصباحات بعد أن ذهب"عبدو"و"باباه" إلى عملهما،كنت أرقد بخدر من لا يصنع بيومه شيئا سوى فرقعة الأصابع،وفجأة قفزت جالسا،كانت طرقات هوجاء ومكتومة تصلني من الباب الخشبي الموصد،أسرعت نحو الباب لأقتلعه فقد اعتبرت أن في الطرق بشارة،نعم إنه "علوات"،تركت له الحديث ولم أنبس ببنت شفة،فهو رغم طرقه الذي لم أكن لأتقبله في أيام غير استثنائية،فإنه قد يحمل خبرا،والأمرًََُ من ذلك،هو مضيفي.
كان"علوات"بارعا في فن التقزيم وقد واتته الفرصة،فأخذ يستجدي أكثر العبارات حدة لإنتقاد هذه"العادة غير العملية والطفولية، فالنسوة لم يعدن ينمن ضحى،أحرى الرجال"،ورغم أنني لم أحاول تبرير موقفي فإنه أصر على إقحام حالتي كمثال يختم به مداخلته الأخلاقية"فكون المرء عاطلا ليس مبررا مستساغا للنوم بحساب مفتوح"،أطرقت عند هذه العبارة المستفزة"النوم بحساب مفتوح"،لكنه واصل"....فعليه أن ينهض ليتدبر آيات من القرآن الكريم أو حتى..."،ثم سكت عند ملاحظته للغضب اللاهث الذي تصدره أنفاسي،ليغير دفة الحديث مستخدما نبرة عائلية"...ارتدي ثيابك كي تذهب معي إلى المحل"،ولعله قرأ السؤال الذي أشع من بريق عيني فأستدرك"لن تعمل معي،ستنتظر إلى أن أجد لك عملا مع أحد التجار من معارفي".
عدت إلى الغرفة لارتداء ثياب مناسبة لهذا "الانتظار"،في تلك اللحظة تذكرت قول الجدة في أيام خلت"رقاد الصبيحة يقطع لرزاق"،كنت أرى في الأمر في تلك الأزمنة محاولة لتنفير حفيد خامل من عادته السلطانية،ثم ما لبثت أن آمنت بهذا القول حرفيا،إلا أنني اعتقدت جازما في تلك اللحظة العبثية أن ميكائيل ما كان ليرسل لي نصيبي من الرزق مع"علوات "بالذات لأسباب سأتحفظ عليها.
وصلنا إلى المحل الذي كان مطلا على شارع رئيسي في المدينة،كان"باباه"و"عبدو" قد وصلا قبلنا بساعة وقد فاجأناهما وهما منهمكين في مشاحنات دون سبب واضح سوى صداقتهما.
استمر "علوات" في حث الخطى حتى وصل إلى منضدة منزوية وجلس على كرسيه الدوار،لحظتها بدأ وقت العمل حسب توقيت"علوات".
قال بنبرة حازمة"عدلوا أتاي"،وبما أنه صرف فعل الأمر في صيغة الجمع فقد كان طبيعيا أن يحاول"باباه"و"عبدو" التهرب من المسؤولية بإلقاء عبء صناعة الشاي كل منهما في مرمى الآخر،فكانا يتبادلان نظرات خبيثة وماكرة متشاغلان بمهام لم تحن بعد،ولم أكن بالطبع راغبا في لعب دور الضيف فتصرفت بنبل مُعلب قائلا"سأصنع الشاي، أعطوني الآلة فقط"،لكنهما حاولا ثني عن هذا النبل السابق لأوانه،ذلك أنني سألازم الصينية وكؤوس الشاي والإبريق لأسابيع قادمة.
بدا أن "علوات" هو الآخر غير راغب في لعبي دور الضيف فأشاح بوجهه،فكنت له ماأراد مبعدا الإثنين عن الصينية بإصرار.

(3)

استمرأت البكاء،البكاء الرجولي المضمخ ببقايا كبرياء،فكان أن بكيت بأكثر الأساليب الرجولية قهرا ونبلا،البكاء بصمت ودون دموع.
فرغم تعثري القدري في الدراسة، وكرهي لمقاعد الدرس،إضافة إلى هشاشتي الجسمانية،فإنني لم أتصور يوما أنني سأعمل كصانع شاي ولو مؤقتا في إطار ما أسماه"علوات"ب"الانتظار".
في ليلة استوائية كالعادة،رطبة وماطرة،وفي غرفتنا نصف المضاءة،كنت مستلقيا أرقب السقف بعيون غير متفائلة،إلى أن باغتني "باباه"في العتمة مقتربا وهامسا"ما بك؟"لا تجري الأمور على ما يرام"أجبت دون أن أنظر إليه.
في تلك الليلة حدثني"باباه"عن أشياء كثيرة منها العمل والهجرة و"علوات"بكل تأكيد،حيث تحدث عنه كأحد العارفين به نظرا للسنوات التي جمعتهم معا،فقال:
"إنه يوهمك بالغرق"ـ كان يعني "علوات" طبعا ـ" ...فعندما يتملكك وهم أنك لن تجد عملا في هذا البلد وأن أيامك ستنقضي بلا معنى،ستقنع بالعمل معه ولو كصانع شاي...."،كانت الآلام المبهمة عينها تعاودني لليلة الثالثة على التوالي فاستسلمت لنوم مٌر.
في الصباح،ذهبت إلى المحل متأخرا بساعة،فاتحت "علوات" في الأمر وبعد تردد لا يفهمه إلا العارفون به قبل عملي معه كصانع شاي ومكلف بمهام غير مصنفة، التقيت"باباه" في إحدى زوايا المحل وبادرته قائلا"إني أغرق"فأجابني مبتسما"ألف مبروك"،لقد فهم قصدي،إلا إنني كنت أفضل في أزمنة كتلك الغرق بملء إرادتي.
بعد ثلاثة أشهر من العمل كنت على متن طائرة الخطوط الجوية الموريتانية المتوجهة إلى نواكشوط،وكنت أيضا أرفس بين الفينة والأخرى بعض الركاب في الجوار في بدايات جنون عنيف حلله الأخصائيون كنتيجة فيزيلوجية لقرحة معدية حادة أثرت على الأعصاب.
بقيت في نواكشوط لأسبوع في ضيافة بعض الأقارب وتحت رقابة طبيب تقليدي خبير في الخلطات المعقدة.
أوصى لي الطبيب بالراحة،فغادرت نواكشوط إلى قريتي وكأن لي موعدا مع الانحدار وبلا هوادة،كان "لخويطر" قد تزوج"ميمونة"،لم تصلني من"علوات"أية مستحقات،فكنت أشتم كل من أقابله،وأشتم"علوات"غيابيا،وأغني ببذاءة،ومما يذكره أهل القرية دون استثناء سؤالي الدائم عند باب المسجد وفي السوق أيام الخميس:كم دفع"لخويطر"من طبشور مهرا لميمونة؟،لم يكن الجواب يأتيني، كنت أقابل بقهقهات مكتومة أو تعاويذ ودعاء بالشفاء،كنت أمعن في الانحدار.

(4)

لابد أن"محمدن" قد ضاق ذرعا من حالتي غير المطمئنة إطلاقا،ذلك أنه ناداني أكثر من مرة ولم أسمعه،كان يفصل زمنه الواقعي عن زمني الذهني جدار صلب ،كان ينظر إلي بإشفاق غير محبب،فبادرته"أنا بخير،أشعر فقط بالحنين إلى الأهل"،كنت أكذب،فأنا لست سوى رجل يخشى من تكرار فجائع الماضي،كان علي أن أحسم الأمر قبل فوات الأوان فقلت بنبرة خافتة:"محمدن، لدي ما أريد قوله"،فأجاب"تفضل يا ولدي"،لم أتصوره يوما أبا ولا أخا،إلا أنني تجاوزت هذا إلى ما هو أهم"محمدن، لقد عاودتني آلام مبهمة ناتجة عن القرحة المعدية،وحسب تجارب سابقة لي مع هذه الحالة،فإنني سأدخل عما قريب مرحلة الهذيان أو لنقل جنون في مراحله الأولى،لذا أطلب منك سداد مستحقاتي من الآن وسأكون شاكرا لك وأعذرني فلم أعد قادرا على الاستمرار في العمل"،حانت لحظة صمت طويلة اخترقها محمدن بحوقلة مدوية،لم أعره انتباهي وكنت أنتظر منه جوابا بحجم الموقف،في انتظار ذلك تمنيت من أعماقي الضحلة في هذه المرحلة ألا أوغل في الجنون.


Friday, August 24, 2012

ألف البداية

"ألف البداية... ذات مساء"

ذات مساء نواكشوطي معتدل دعى شاب موريتاني مجموعة من أصدقائه الافتراضيين والحقيقيين لدردشة أدبية حول سلسلة نصوص كان يكتبها في رمضان سماها "يوميات صائم في نواكشوط". في الدقائق الأولى للموعد ساوره قلق بنجاح الفكرة. حضر شخصان من المدعوين في الموعد رغم أن نصوصه كان يقرأها العشرات على أقل تقدير. بعد اكتمال ساعة بعد الموعد الأصلي أمتلئت المقاعد العشرة الحمراء والسوداء التي أتفق مع مدبر المقهى أن يحجزها على جنب للمناسبة. حضر شاعر ومخرج وقاصان وصحفيان ومشروع مفكر وقارئ نهم ومسير مركز ثقافي وموظف حكومي وحضور آخرون دفعهم فضول ثقافي للجلوس مع البقية. غاب عن اللقاء اصدقاء كثر بأعذار العيد والزواج والتعازي ومواعيد النساء بعد الصوم. بدأ اللقاء وتناوب الحضور في اطراء الكاتب الشاب الذي يرفض دائما كما قال أن يصنف كاتبا لأنه لا يشعر باغراء التسمية. علق الكل وسأل. رد هو واستفاض. مضت الساعات الثلاثة كحلم من خيال. رأى أحد الكتاب أن اللقاء يحمل بذرة بقاء. لم يعترض أحد على ملاحظته. قرر المتحمسون غرس البذرة في تربة المقهى وسقيها كل أسبوع من نبع ٌقاص، شاعر، صحفي، مبدع أو من لم يعرف بعد ما تخبئه له نفسه. سمي الملتقى 21 أغسطس، آب تيمنا بمواعيد الصدفة التي شائت أن يكون اللقاء يوم عيد ميلاد أحد الكتاب من الحضور. 

نواكشوط، 24 اغسطس/ آب 2012 في ركن قصي من مكان البذرة الأولى.