أما رفاق الفتوة وفض العذارى فقد تساقطوا تباعا كأن بينهم تواطؤ لتركه وحيدا فى أزمنة ليست له.
"زينب,زينب"ينادى بصوت مبحوح قادم من بعيد,"الراديو"فتقبل زينب حاملة المذياع وقد تلفعت إتزانها المعهود,وحين يوقد مذياعه العتيق يبدأ فى البحث عن إذاعة فرنسا التى يتقن لغتها بفولتيرية معتقة,وما من سبب وجيه قد يفسر إصراره على التفرنس سوى حنينه المتقد لأزمنة التوهج الغابرة,ففى فترة من شبابه عمل مترجما لدى الإدارة الإستعمارية بعد أن توسموا فيه قدرة فائقة على إستيعاب لغتهم,ويذكر دوما بكثير من الفخر أنه كان أول من إقتنى مذياعا فى ذلك الزمن,فكانت الوفود تتقاطر على خيمته إشباعا لشغفها بهذا الصندوق الخشبى الذى يتحدث كل اللغات,كان ذلك فى فترة الخمسينيات بداية بروز الحركات الوطنية وإحساس الناس بالعالم من حولهم,فكان أترابه يتحلقون حول الجهاز المعجزة سمًٌُارا ينظٌرون لمستقبل العالم,بدأت أخبار المشرق تصلهم عبر الأثير مطبوعة بإسم أوحد جمال عبد الناصر وأحلام الوحدة العربية,وكانت أخبار فرنسا المأزومة تصلهم فى القانون الإطارى والإستفتاء والإختيار بين الوصاية أوالإستقلال.
يذكرهذه الأحداث نادما على أشياء كثيرة قام بها ما كان ليفعلها لو عاد الزمن إلى الوراء,لأنه تورط فى السياسة فورطته فى السجون فيما بعد....
وبغتة كزخة مطرشتوى تقفزالذاكرة كدابة لكزت من خلف,فتبدوسنوات السياسة والسجون مرحلة حتمية طواها النسيان,فمامن شيء مغري يستدعى إستجدائها فليست سوى قاطرة أمامية من قطارالعمر مضت مبتعدةبصريرها وأزيزها مخلفة غبارا شفيفا فى الحيز الزمكانى الذى يفصلها عن القاطرة الأخرى,قاطرة أم أخريص.
المرأة التى جمع من أجلها التراث المروي لمنطقة الصحراء الكبرى شعراونثراوحبا,أم أخريص التى وقع فى شراكهافى غفلة من طبعه البدوى الجلف,فكان أن قادها فى ليلة نصف مقمرة إلى خيمته عروسا من طينة النساء الخالدات,فكان الرفاق فى الجواريرقصون ويقفزون بعشوائية منتظمة,تحلقوا حول نقطة لا مرئية فكان الواحد منهم يرقص حتى تفور دمائه وتتسارع أنفاسه فيستسلم بكبرياء للفارس القادم على وقع صرخة مدوية تم التواطؤ عليها سلفا,بدورهم الرعاة أطلقوا العنان لمواويلهم التى إعتادوا هدهدت النوق بها عندما يعزُ الكلأ,فغنوا بإخلاص فى ليلة بدت سخية وقد وُضعت على مقربة منهم المراجل العملاقة التى تذكر بولائم أسطورية....
No comments:
Post a Comment