Monday, August 27, 2012

حنــــــــين

"حنـــــــــــين"
توارت خلف قسمات وجهه الفاتر غصة لاتعرف لنفسها مكان بعينه,فهى فى الحلق وفى القلب أيضا وهى على أى حال حنق على الزمان,الزمان الذى تلقفه من يد قابلته يوما وحمله على بساط من ريح ليرميه بعد هنيهة لم يستوعب كل أحداثها على قارعة السبعين بسكر زائد وعكازوسبحة من مائة حبة.

صارت جحافل الذباب تزاحمه على قدحه فيعافه ليس لأن الذباب إسترسل فى نبشه فحسب,بل لأن مرارة إستوطنت فمه فلم يعد للأكل طعم ولا للحياة فهى الأخرى صارت رتيبة بطيئة كدابة حرون.
أما رفاق الفتوة وفض العذارى فقد تساقطوا تباعا كأن بينهم تواطؤ لتركه وحيدا فى أزمنة ليست له.
"زينب,زينب"ينادى بصوت مبحوح قادم من بعيد,"الراديو"فتقبل زينب حاملة المذياع وقد تلفعت إتزانها المعهود,وحين يوقد مذياعه العتيق يبدأ فى البحث عن إذاعة فرنسا التى يتقن لغتها بفولتيرية معتقة,وما من سبب وجيه قد يفسر إصراره على التفرنس سوى حنينه المتقد لأزمنة التوهج الغابرة,ففى فترة من شبابه عمل مترجما لدى الإدارة الإستعمارية بعد أن توسموا فيه قدرة فائقة على إستيعاب لغتهم,ويذكر دوما بكثير من الفخر أنه كان أول من إقتنى مذياعا فى ذلك الزمن,فكانت الوفود تتقاطر على خيمته إشباعا لشغفها بهذا الصندوق الخشبى الذى يتحدث كل اللغات,كان ذلك فى فترة الخمسينيات بداية بروز الحركات الوطنية وإحساس الناس بالعالم من حولهم,فكان أترابه يتحلقون حول الجهاز المعجزة سمًٌُارا ينظٌرون لمستقبل العالم,بدأت أخبار المشرق تصلهم عبر الأثير مطبوعة بإسم أوحد جمال عبد الناصر وأحلام الوحدة العربية,وكانت أخبار فرنسا المأزومة تصلهم فى القانون الإطارى والإستفتاء والإختيار بين الوصاية أوالإستقلال.
يذكرهذه الأحداث نادما على أشياء كثيرة قام بها ما كان ليفعلها لو عاد الزمن إلى الوراء,لأنه تورط فى السياسة فورطته فى السجون فيما بعد....

وبغتة كزخة مطرشتوى تقفزالذاكرة كدابة لكزت من خلف,فتبدوسنوات السياسة والسجون مرحلة حتمية طواها النسيان,فمامن شيء مغري يستدعى إستجدائها فليست سوى قاطرة أمامية من قطارالعمر مضت مبتعدةبصريرها وأزيزها مخلفة غبارا شفيفا فى الحيز الزمكانى الذى يفصلها عن القاطرة الأخرى,قاطرة أم أخريص.
المرأة التى جمع من أجلها التراث المروي لمنطقة الصحراء الكبرى شعراونثراوحبا,أم أخريص التى وقع فى شراكهافى غفلة من طبعه البدوى الجلف,فكان أن قادها فى ليلة نصف مقمرة إلى خيمته عروسا من طينة النساء الخالدات,فكان الرفاق فى الجواريرقصون ويقفزون بعشوائية منتظمة,تحلقوا حول نقطة لا مرئية فكان الواحد منهم يرقص حتى تفور دمائه وتتسارع أنفاسه فيستسلم بكبرياء للفارس القادم على وقع صرخة مدوية تم التواطؤ عليها سلفا,بدورهم الرعاة أطلقوا العنان لمواويلهم التى إعتادوا هدهدت النوق بها عندما يعزُ الكلأ,فغنوا بإخلاص فى ليلة بدت سخية وقد وُضعت على مقربة منهم المراجل العملاقة التى تذكر بولائم أسطورية....

يتوقف الشريط بواقعية مبررة عندما يبدأ الوعي فى التحليل والمفاضلة بين ما كان وماهو كائن,بين الأحلام المتبددة وكوابيس الواقع المفجعة,فلقد كتب له أن يقضي حياته منتقلا من قاطرة لأخرى بينما آثر آخرون بإملاء من القدرأن يختفوا خلف ذاك الغبار الشفيف دون يبدلوا أماكنهم,مكتفين بقاطرة واحدة,من بين أولئك "أم أخريص"والرفاق بكار"الذيب"ومحمد"لحوار"والناجم وغيرهم كثر....
أما هوفظل يعود القهقرى حتى ملٌ السفروهاهويقبع فى قاطرة وسمت بالرقم 7فى رحلة لا متناهية...

يصل صوت المذياع كإشارة من القدر بأن الرحلة لم تنته بعد,كعادته كان المذيع يجترُ الفجائع,حروب هنا ومدن تحترق هناك,لشك أن الحروب فى زمنه كانت أقل...
تبدأ زينب فى إستلام وظيفتها اليومية,إشاعة الأمل,فتطرح عليه أسئلة متنوعة لا تكتسي أهمية بحد ذاتها بقدر ماهي موجهة للتنفيس عن رجل ترهلت أيامه وهو يدخل الشيخوخة من أوسع أبوابها.الغياب.
ـ مالجديد؟تسأل دون إهتمام بجوهر الجواب القادم ودون تهكم أيضا...
ـ لا شيء,أزفت الساعة,الموت والدم فى كل مكان,بإقتضاب أجاب وتأوه دون أن يدري بأن الموت كان يحوم فى الجوار,وقد بدت كلماته كحسرة حكيم خاب رجائه فى أتباعه,على أن كلماته حملت إنسجاما واضحا بين الوعى واللاوعى,بين مايعلنه الأول وما يضمره الأخير.

ففى عمر كهذا تصبح حماقات قادة العالم سببا وجيها لإنتظار تأشرة العبور إلى العالم الآخر,حيث يقبع الأحباب...
تتململ زينب فى مكانها بلاسبب واضح,إعتادت أن تسمع منه ترانيم الموت,كان يقول دوما بسبب وبلاسبب "الموت قادم" "أنا أنتظرالموت",لم تكن لتخاف الموت قط فقد أخذ أمها ميمونة بحضرتها فى ليلة دافئة من العام الفائت.
وكانت ستتقبل موته بتسليم حقيقى لأنه هونفسه ينتظره بل ويطلبه فى كل لحظة,إلا أنها لم تكن لتقبل بدور رسول الموت,ليس هذا فحسب بل إنها كانت تخاف عليه من النبأ المستجد,لم لا وهذا آخر رفاقه يأتيه الموت بغته بعد أن لم يعد ينتظره لأنه إنتظره لسنة كاملة على فراش للموت إلا أن الموت لم يأت, وحين آمن بالخلود إنتهت أيامه....
مات "شياخ"إذن منذ ساعة.

بوجه معروق إقتربت منه,وقالتها بنبرة محايدة"إطلب الرحمة لشياخ ولد إدوم,وافته المنية هذا المساء......",لحظة صمت طويلة ,إنعقد لسانها فجأة,أما هو فظل ساهما فى السقف المهتريء,قال فى خدر مصعوق "يجب طلاء السقف"وظل ساهما للحظات إلى أن أسلم الروح....,لا لم يمت,تأوهاته,تمتماته تزداد حدة ,إستغفار وحوقلة,تأمل أقدارهم المتنافرة فى لحظة حنين,أمعن فى عتابهم,لكن بلا طائل,إلى أن يلتقوا سيُعد لهم الكثير من الأسئلة....!

No comments:

Post a Comment