بابه ولد أدو
بحركة خاطفة تلتقط هاتفها نو كيا أن 85 وبلمسة خفيفة لزر "عرض" تسكت أغنية تامر حسني المضبوطة كنغمة تنبيه للرسائل .. بحروف لاتينية تتخللها الأرقام 2و3 و 9تظهر الرسالة التالية : " سأكون في الموعد بعد قليل." تلقي نظرة سريعة علي المرآة الصغيرة قبل أن تطبع عليها قبلة إعجاب .. تنسي وهي تخرج من المنزل أن تطفئ التلفزيون, تاركة مشاهدة بقية المسلسل التركي لكومة من روايات أحلام المبعثرة وبعض الملابس المتسخة وحقيبة صغيرة وأشياء أخري تافهة...
ها هو فارس الأحلام _أخيرا_يترجل عن حصانه ليحملها معه إلي عالم عاشته في أحلامها زمنا طويلا .. عاشته مع كل قصة قرأتها , وفي كل مسلسل شاهدته .. وغاية ما تحلم به الآن أن يتحقق ذلك الحلم ! تعرفت عليه قبل شهرين عن طريق "موبيشات" ، لم تكن في البداية من مستخدمي شنقتل , لكنها لم تتردد أن تجربها عندما حدثتها إحدي صديقاتها أن صديقة لابنة خالتها أكدت لها أن إحدي بنات عمها تزوجت عن طريق "موبيشات" . ولم يكن حديث هذه الصديقة مجرد كذب , فقد جربت هي بنفسها.. والنتيجة " أحمد "! أو "جورج 12" كما يلقب نفسه . كم هي ممتنة لهذه الخدمة!
"جورج12" , كما حدثها, يبلغ من العمر تسعة وعشرين عاما , يمضي معظم الوقت مع أسرته في بلجيكا حيث يعمل والده كأخصائي في جراحة العظام ويتمتع بسمعة طيبة هناك. والده , كما يؤكد "جورج12", يمتلك ثروة كبيرة في بلجيكا كما يدير واحدة من أنجح شركات الأدوية, لها فروع في كثير من الدول الأوروبية والأسيوية . "جورج12" , بالرغم من امتلاكه شهادة عليا في الهندسة من أعرق جامعة في بلجيكا , ليس موظفا , بل يكتفي بالإشراف علي بعض الأعمال التابعة لوالده
استغرقها الأمر شهران لتقنعه بضرورة أن يلتقيا .. تذرع أولا بصعوبة الوصول إليها , فليس من السهل عليه وهو القادم لتوه من بلجيكا أن يخاطر بسيارته نحو الأحياء الشعبية وشوارعها حيث تسكن الأميرة "هيفاء 3" , لم تبخل عليه بأي معلومة .. زودته بكل تفاصيلها الشخصية , أرسلت له ذات مرة : "اسمي خديجة , أبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما , أسكن في "ملح" مع أسرتي" .
ولم تكن الرسالة التي استلمتها لتوها سوي تأكيد لوعد انتزعته منه بعد محاولات عديدة , انتظرت هذه اللحظة طويلا , واستعدت لهذا اللقاء أياما ! ولم تبد أي اعتراض عندما طلب منها أن يتم اللقاء قرب "سوق كبتال", أبعد نقطة يمكن لسيارة جورج12 أن تبلغها!
كان بالتأكيد يوما استثنائيا ! كل شيء كان جميلا: شمس حزيران .. وجوه السائقين.. شوارع نواكشوط ! الكل يبتسم لخديجة .. وبدا صوت تامر حسني أجمل مشعرا بورود رسالة جديدة .. تعرض الرسالة غير عابئة بنظرات المرأة البدينة الجالسة معها في المقعد الأمامي للتاكسي , والتي استسلمت لعجزها بمجرد أن لمحت الحروف اللاتينية . واحترقت المرأة فضولا حين ارتسمت ابتسامة خفيفة علي شفتي خديجة وهي تقرأ الرسالة !
"لماذا يختار "سوق كبتال" بالتحديد"؟ لم تفكر في هذا السؤال من قبل , كل ما تعرفه أن ضجيج هذا المكان وفوضاه ليسا مناسبين بالتأكيد لاحتضان لقاء كهذا , إلا إذا كان "جورج12" له نظرة رومانسية خاصة !
وعلي بعد أمتار قليلة يجلس رجل يشي وجهه بأنه تجاوز الأربعين بسنوات , دراعة من الشقة يظهر –بعد تمعن- أنها كانت يوما ما بيضاء , وقطعة طويلة من القماش تدلي طرفاها علي صدره بعد أن دورها علي رقبته ثلاث مرات , يمسك بيده اليمني جهاز "مكبر للصوت" يكرر العبارات التالية : " عندن كرتات ماتل أموريتل أشنكتل .. لا إله إلا الله محمد رسول الله , اكريدي إلاه , أعندن تحويل الرصيد ألف ألف واخمسمية , أخمسمية اسبعمية ........." كانت عيناه تتابعان باهتمام الفتاة التي نزلت لتوها من التاكسي , بشرة بيضاء تميل قليلا إلي السمرة , متوسطة الطول, أقرب إلي النحافة
. اتجهت مباشرة لسيارة من نوع أكس 5
مركونة بجانب الطريق. "تماما كما أمرت ! " همس ساخرا .. تأملها وهي تقف مستندة إلي السيارة , بدا وجهها جميلا وبريئا , وأخيرا رأي "هيفاء 3"! شعر بضميره يؤنبه .. " المسكينة ! كذبت عليها" .. كان أسرع إلي هاتفه منها لهاتفها .
وحينما طلبت الرقم سمعت عبارة لم تكن تتوقعها : " الرقم المطلوب مغلق!" ..
باب ولد آدو
28/12/2010

No comments:
Post a Comment